لا أدرى كيف أتذكر هذا الموقف حتى الآن وكأنه حدث بالأمس فقط. قبل عيد ميلادى السادس أو السابع أو الثامن _لا أدري_ سألنى والدى عن الهدية التى أرغب بها. لم أتردد، قلت بحسم كاميرا. وبعد أيام أتانى بالكاميرا التى لازالت أحتفظ بها حتى الآن. فى ذلك الوقت لم يكن هناك ما يعرف بالكاميرا الديجيتال، لكنى فى عقلي كنت أرغب بكاميرا بها ميزات الكاميرا الديجيتال، فلا احتاج إلى فيلم جديد كل عشر دقائق أو الذهاب إلى كوداك لتحميض الفيلم ال 36 صورة، بالمناسبة لم أنجح أبدا في تحميض 36 صورة، دائما يوجد صور محترقة ولا اعرف حتى الآن السبب.
فى المرحلة الإعدادية، وبفضل التكنولوجيا الجديدة أمتلكنا كاميرا فيديو من نوعية باناسونيك بشرائط mini cam، وكنت معروف فى الوسط العائلى بأسم يوسف شاهين. وكنت المصور المعتمد لكل الأحداث التى تمر بالعائلة. أعياد ميلاد، خطوبة، زواج، لقطات تذكارية فى الكريسماس إلى جانب خروف العيد بالطبع.
وفى إحدى المرات، ذهبت إلى بلدتنا الريفية التى ينحدر منها والدى، والذى يذهب إلى هناك في المناسبات فقط، كنت لازالت فى المرحلة الثانوية، لحضور فرح ابن عم والدى خالد _رحمه الله_. لا أستطيع نسيان هذا اليوم. البلدة الريفية البسيطة بدا لهم الشاب الصغير بملابسة الغريبة _لم اكن ارتدى جلبابا مثلهم بطبيعة الحال_ والكاميرا التى يحملها على كتفه والشنطة المعلقة على الكتف الآخر وشنطة أخرى صغيرة أضع بها عدد لا بأس به من الشرائط والبطاريات الإحتياطية، بدا لهم هذا الشخض وكأنه مخرج أفلام كاوبوى جاء ليكتشف أسرار قريتهم. أحد الأطفال الصغار أقترب منى بحذر وسألنى " انت جاى من القناة السابعة؟ " وهى قناة محلية فى مدينة المنيا. فى ذلك اليوم سألنى بعض ابناء أعمامى كبار السن _ملحوظة هم ليسوا بالضرورة ابناء أعمامى فكل البلدة تعتبر ابناء أعمامى_ عن الإحتياجات التى أطلبها من أجل التصوير، ولم أكن أدرى ماذا اريد. سكت قليلا وأجبت بلهجة المعتاد على الأمر كثيرا "عايز أشوف مكان الفرح عشان اعاين". ذهبنا إلى المكان الذى يجرى تجهيزه على قدم وساق من أجل الفرح، وعندما شاهدنى العمال، أو بالأحرى شاهدوا الكاميرا التى أحملها وكل الشنط الأخرى_ ابتسموا فورا دون داعى وتابعوا العمل فى همة وحماس زائد. وبعد أن أخذت بعض اللقطات طلبت من أحد ابناء عمومتى تصوير المشهد من منزل عالى، ففتحت لى الأبواب لصنع ما اريد.
اليوم أصبحت الكاميرا _الديجيتال_ من أهم ممتلكاتى على الإطلاق. في يدى أينما ذهبت. وتطور الأمر قليلا، وربما كثيرا. فلم أعد فقط أسعى وراء الصورة، بل وراء المشهد كاملا، وبفضل برامج المونتاج الذى أجلس أمامه بالساعات، أستطيع صنع شيئا يعجبنى في النهاية، وبعدها لا اطيق أن اشاهده مرة أخرى.
لا أعلم تحديدا لماذا أحب الكاميرا وأقدسها إلى هذا الحد. ربما الخوف هو الدافع. الخوف من ضياع الأصدقاء، فأسعى دائما إلى إلتقاط صور لجميع أصدقائى، ليس بالضرورة أن أكون بينهم، وليس بالضرورة ايضا أن يكونوا فى وضعية الأبتسام والتلويح للكاميرا، أفضلهم بطبيعتهم. فربما فى حالة ضياعهم منى أو ضياعى منهم أجد فى الصور ملاذا وعونا.
احتفظ بمئات الصور للمنازل التى أحبها. المنزل الذي نشأت به في المنيا منزل جدى وجدتى وخالتى. كل الأركان والخبايا والمنظر الذي يطل عليه والشبابيك والأبواب وكل التفاصيل الدقيقة. النادى الذى لعبت فيه كرة السلة، شوارع القاهرة فى الخامسة صباحا وكوبرى قصر النيل فى الوقت نفسه.
فى أحد الأفلام الأمريكية _ one hour photo_ يقول البطل الذي يعمل بمحل لتحميض الصور، والذي هو بدوره مصورا "لا يوجد شخص يلتقط صورة لشئ لا يرغب فى تذكره مجددا"، وبإتباع هذا المنهج، دوما سترى كاميرات فى الأفراح وأعياد الميلاد وحفلات التخرج لكن أبدا لن تجد كاميرا واحدة فى مأتم. لكنى أعتقد أنه فى حالة توفى شخص ما عزيز على سأقوم بتصوير المأتم، ولما لا. على الأقل سيذكرنى به. فليس بالضروة أن يكون واقف بينهم أو يلوح للكاميرا بيده مبتسما ...







1 comments:
ما أحلى الجنون ....أحيانا ...!
Post a Comment